فخر الدين الرازي
101
تفسير الرازي
ألقى نفسه في البلاء فكانت استعاذة الإنسان من شر نفسه أهم وألزم من استعاذته من شر الشيطان فلم بدأ بالجانب الأضعف وترك الجانب الأهم ؟ . الكتاب الثاني في مباحث بسم الله الرحمن الرحيم وفيه أبواب الباب الأول في مسائل جارية مجرى المقدمات وفيه مسائل متعلق ياء البسملة : المسألة الأولى : قد بينا أن الباء من ( بسم الله الرحمن الرحيم ) متعلقة بمضمر ، فنقول : هذا المضمر يحتمل أن يكون اسماً ، وأن يكون فعلاً ، وعلى التقديرين فيجوز أن يكون متقدماً ، وأن يكون متأخراً ، فهذه أقسام أربعة ، أما إذا كان متقدماً وكان فعلاً فكقولك : أبدأ باسم الله ، وأما إذا كان متقدماً وكان اسماً فكقولك : ابتداء الكلام باسم الله ، وأما إذا كان متأخراً وكان فعلاً فكقولك : باسم الله أبدأ ، وأما إذا كان متأخراً وكان اسماً فكقولك : باسم الله ابتدائي ويجب البحث ههنا عن شيئين : الأول : أن التقديم أولى أم التأخير ؟ فنقول كلاهما وارد في القرآن ، أما التقديم فكقوله : * ( باسم الله مجراها ومرساها ) * ( هود : 41 ) وأما التأخير فكقوله : * ( إقرأ باسم ربك ) * ( العلق : 1 ) وأقول : التقديم عندي أولى ، ويدل عليه وجوه : الأول : أنه تعالى قديم واجب الوجود لذاته ، فيكون وجوده سابقاً على وجود غيره ، والسابق بالذات يستحق السبق ، في الذكر ، الثاني : قال تعالى : * ( هو الأول والآخر ) * ( الحديد : 3 ) وقال : * ( لله الأمر من قبل ومن بعد ) * ، ( الروم : 4 ) الثالث : أن التقديم في الذكر أدخل في التعظيم ، الرابع : أنه قال : * ( إياك نعبد ) * فههنا الفعل متأخر عن الاسم ، فوجب أن يكون في قوله : ( بسم الله ) كذلك ، فيكون التقدير باسم الله ابتدئ ، الخامس : سمعت الشيخ الوالد ضياء الدين عمر رضي الله عنه يقول : سمعت الشيخ أبا القاسم الأنصاري يقول : حضر الشيخ أبو سعيد بن أبي الخير الميهني مع الأستاذ أبي القاسم القشيري فقال الأستاذ القشيري : المحققون قالوا ما رأينا شيئاً إلا ورأينا الله بعده ، فقال الشيخ أبو سعيد بن أبي الخير : ذاك مقام المريدين أما المحققون فإنهم ما رأوا شيئًا إلا وكانوا قد رأوا الله قبله ، قلت : وتحقيق الكلام أن الانتقال من المخلوق إلى الخالق إشارة إلى برهان الآن ، والنزول من الخالق إلى المخلوق برهان اللم ، ومعلوم أن برهان اللم أشرف ، وإذا ثبت هذا فمن أضمر الفعل أولاً فكأنه انتقل من رؤية فعله إلى رؤية وجوب الاستعانة باسم الله